الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

194

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بالغنائم التي أعطيت للمهاجرين ، ولا يحسدونهم عليها ، ولا حتى يحسون بحاجة إلى ما أعطي للمهاجرين منها ، وأساسا فإن هذه الأمور لا تخطر على بالهم . وهذه الصورة تعكس لنا منتهى السمو الروحي للأنصار . ويضيف تعالى في المرحلة الثالثة إلى وصفهم ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ( 1 ) . ومن هذه السمات الثلاث : " المحبة " و " عدم الطمع " و " الإيثار " ، كانت تتشكل خصوصية الأنصار المتميزة . ونقل المفسرون قصصا متعددة في شأن نزول هذه الآية : يقول ابن عباس : إن الرسول بين للأنصار يوم الانتصار على يهود بني النضير ، إذا كنتم ترومون المشاركة في حصة المهاجرين من الغنائم فشاطروهم بتقسيم أموالكم وبيوتكم ، وإذا أردتم أن تبقى بيوتكم وأموالكم لكم فلا شئ لكم من هذه الغنائم ؟ فقال الأنصار : علام نتقاسم بيوتنا وأموالنا معهم ، نقدم المهاجرين علينا ولا نطمع بشئ من الغنائم ؟ فنزلت هذه الآية تعظم هذه الروح العالية ( 2 ) . ونقرأ في حديث آخر أن شخصا أتى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فشكا إليه الجوع ، فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى منزله ، فقالت زوجته : ما عندنا إلا الماء ، فقال رسول الله : من لهذا الرجل الليلة ، فتعهده رجل من الأنصار وصحبه إلى بيته ، ولم يكن لديه إلا القليل من الطعام لأطفاله . وطلب أن يؤتى بالطعام إلى ضيفه وأطفأ السراج ، ثم قال لزوجته : نومي الصبية ، ثم جلس الرجل وزوجته على سماط الطعام فتظاهروا بالأكل ولم يضعوا شيئا في أفواههم ، وظن الضيف أنهم يأكلون معه ، فأكل حتى شبع وناموا الليلة ، فلما أصبحوا قدموا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فنظر إليهم وتبسم

--> 1 - " خصاصة " من مادة ( خصاص ) على وزن ( أساس ) بمعنى الشقوق التي توجد في جدران البيت ، ولأن الفقر في حياة الإنسان يمثل شقا ، لذا عبر عنه بالخصاصة . 2 - مجمع البيان ، ج 9 ، ص 260 .